ابن كثير

294

البداية والنهاية

وقال أشعث بن عبد الله عن الفرزدق قال نظر أبو هريرة إلى قدمي فقال : يا فرزدق إني أرى قدميك صغيرين فاطلب لهما موضعا في الجنة ، فقلت : إن ذنوبي كثيرة ، فقال : لا بأس فإني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها " . وقال معاوية بن عبد الكريم عن أبيه قال : دخلت على الفرزدق فتحرك فإذا في رجله قيد ، فقلت : ما هذا ؟ فقال : حلفت أن لا أنزعه حتى أحفظ القرآن . وقال أبو عمرو بن العلاء : ما رأيت بدويا أقام بالحضر إلا فسد لسانه إلا رؤبة بن العجاج والفرزدق فإنهما زادا على طول الإقامة جدة وحدة ، وقال راويته أبو شفقل طلق الفرزدق امرأته النوار ثلاثا ثم جاء فأشهد على ذلك الحسن البصري ، ثم ندم على طلاقها وإشهاده الحسن على ذلك فأنشأ يقول : - فلو أني ملكت يدي وقلبي ( 1 ) * لكان علي للقدر الخيار ندمت ندامة الكسعي لما * غدت مني مطلقة نوار ( 2 ) وكانت جنتي فخرجت منها * كآدم حين أخرجه الضرار ( 3 ) وقال الأصمعي وغير واحد : لما ماتت النوار بنت أعين بن ضبيعة المجاشعي امرأة الفرزدق - - وكانت قد أوصت أن يصلي عليها الحسن البصري - فشهدها أعيان أهل البصرة مع الحسن والحسن على بغلته ، والفرزدق على بعيره ، فسار فقال الحسن للفرزدق : ماذا يقول الناس ؟ قال : يقولون شهد هذه الجنازة اليوم خير الناس - يعنونك - وشر الناس - يعنوني - فقال له : يا أبا فراس لست أنا بخير الناس ولست أنت بشر الناس ، ثم قال له الحسن : ما أعددت لهذا اليوم ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة ، فلما أن صلى عليها الحسن مالوا إلى قبرها فأنشأ الفرزدق يقول ( 4 ) : أخاف وراء القبر إن لم يعافني * أشد من القبر التهابا وأضيقا إذا جاءني ( 5 ) يوم القيامة قائد * عنيف وسواق يسوق الفرزدقا لقد خاب من أولاد دارم ( 6 ) من مشى * إلى النار مغلول القلادة أزرقا ( 7 ) يساق إلى نار الجحيم مسربلا * سرابيل قطران لباسا مخرقا

--> ( 1 ) في المبرد 1 / 72 : نفسي . ( 2 ) الكسعي : رجل يضرب المثل به في الندامة على كسره قوسه ، وكان جربها في عدة ظباء ، فظن أنها لم تصبهن ، ثم اتضح أنها أقصدتهن جميعا . ( 3 ) بعده في الأغاني 21 / 290 والكامل للمبرد 1 / 72 : وكنت كفاقئ عينيه عمدا * فأصبح ما يضئ له النهار ( 4 ) في الكامل للمبرد 1 / 71 : وقال الفرزدق في أيام نسكه . ( 5 ) في الكامل للمبرد : قادني . ( 6 ) في الأغاني 21 / 391 والكامل للمبرد : آدم . ( 7 ) في الكامل : موثقا . ويراد بالقلادة الطوق . والغل هنا : اطباق القلادة . وأزرقا : يراد به ما ورد في التنزيل العزيز من أن المجرمين يحشرون إلى جهنم زرقا .